فيلم حدوتة صغيرة
كتبهاربى عنبتاوي ، في 9 تموز 2008 الساعة: 14:34 م
حتى الحيوان يحن للمكان الأول
كتبت: ربى عنبتاوي
من قال أن الحيوان لا يحن أيضا إلى الذكريات الأولى، ولا يشتاق إلى المأوى القديم ! التركيز على حق أن الأرض للجميع أناساً كانوا أم حيوانات كانت رسالة إضافية للرسالة الأولى والأهم وهي حق العودة
.
تابعت العرض الأول لفيلم حدوتة صغيرة الذي كان أمس في قلب مدينة عروس المتوسط حيفا، بحضور حشد كبير من أهالي المدينة صغاراً وكباراً والمخرجين والعاملين في مجال السينما والصحافيين. الفيلم الذي لم تتجاوز مدته النصف ساعة قد أثار الدهشة فعلاً لحداثة فكرته البسيطة وتطرقه إلى حق العودة عبر شخصية كاريكاتورية ساخرة هي حمار العم أبو سليم المشتاق إلى ارض أجداده في حيفا.
قصة الفيلم
الفيلم القصير الذي كتبه وأخرجه المخرج العالمي من أصل فلسطيني ايزادور مسلم، وأنتج من قبل قناة الجزيرة للأطفال، يروي قصة حمار يختفي في أحد القرى الفلسطينية المحتلة، ما يخلق حالة من الذعر لدى أهالي القرية يجعلهم ينتشرون للبحث عنه. فبداية الفيلم توحي بأن مكروها قد حدث عبر مشاهد تجمع أهالي القرية واستنفارهم، لكن سؤال الطفل سامي لجده يوضح أن الموضوع هو اختفاء حمار العم أبو سليم، الأمر الذي يجعل الطفل يذهب بحثاً عنه فيجده مختبئاً في أحد الكروم، فيسأله عن سبب اختبائه فيجيبه الحمار:أريد العودة إلى بيتي في حيفا
يحاول الطفل مساعدة الحمار فيسافر معه حاملاً حقيبة مدرسية وخارطة لمدينة حيفا، ولكنهما لا يلبثان السفر فيصطدمان بحاجز عسكري إسرائيلي، يحاول الطفل المرور منه عبر حيلة وضع أكياس من القش على ظهر الحمار كحمولة يريد إيصالها لجده، فيوقفه الجندي ويوبخه تارة ويمزح معه تارة أخرى لكنه يسمح له بالمرور بعد أن يلقي القش أرضاُ، حيث يذكّره بأنه عمل معه معروفا، فقط لأن مزاجه اليوم جيد.
يواجه الطفل والحمار حاجزاً أخراً، وببساطة يمتطي الطفل حماره محاولا العبور، فيوقفه الجندي ويشتمه وثم يصرخ فيه: حمارك فليمر أما أنت فلا. فيعبر الحمار وبعد ثوانٍ يتبعه الطفل راكضاً فيتغاضى الجندي عن عبور الطفل
.
بعد عبور الحاجز الثاني يستطيع الحمار والطفل دخول مناطق الخط الأخضر (48) فيسيران سوية في المروج و على ضفاف البحر المتوسط، ومنظر الأمواج المتكسرة يبدو بديعاً من خلفهما، يصلان حيفا المدينة ويخبر الحمار رفيقه عن البيت الذي يقصده، يبدأ الحمار بالابتهاج أكثر فأكثر كلما أقترب من المكان ويصل إلى ذروة السعادة حين يصل إلى عتبة منزله القديم.
يرن الطفل جرس باب المنزل والذي يشير إلى اسم عائلة يهودية تقطن فيه، تفتح سيدة خمسينية الباب وبحركة سريعة يدخل الحمار البيت وهو ينهق سعادة فتتساءل السيدة من الطفل ما الذي يجري ؟؟ فيجيبها أن صديقه قد وصل بيته!. لكنها لا تفهم شيئا فتطلب من زوجها الاتصال بالشرطة. ينتهي الفيلم بمشهد سعادة يغمر الطفل وهمهمة الحمار شعوراً بالسعادة وسيدة وزوجها يطلبان رقم نجدة من هاتف.
البساطة والرمزية سمة الفيلم
-أراد مخرج الفيلم إيصال رسالة حاضرة دائماً عمرها أكثر من نصف قرن وهي حق العودة للاجئين والمبعدين خارج الوطن، عبر تجسيدها بشخصية قريبة من الأطفال الحمار حيوان أليف اقترن دائماً بالحياة الريفية والزراعة والفلاحين والمجتمع العشائري المرتبط بصلات قوية و ولاءات متينة.
الحمار استخدم كما صرح المخرج لقربه من الأطفال ولانتشاره وشهرته بعيداً عن أي إسقاطات فكرية متوارثة شعبياً على هذا الحيوان. هذا الحيوان الذي لا يرتقي لإنسانية البشر قد حن لبيته وهام شوقاً للعودة إليه فما بالك بكينونة الأكثر رقياً وأوسع مدراكاً وهو الإنسان ! وهنا تبرز عناصر السخرية والهكم من هذا الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني البعيد عن أرضه.
- كيف ممكن أن نقرب حق العودة للأطفال دون التذكير بالنكبة ومشاهد الدم؟ هذه الرؤية جعلت المخرج يبتدع شخصية حمار ناطق يحدث طفلاً عن خفايا نفسه وهاجس العودة للبيت القديم، قد يستهجن البعض استخدام الحمار كأداة ، وربما اتفق أو اختلف معهم، لكني لا أنكر إن للحيوانات فطرة خلقت عليها وهي الولاء للأمكنة وتفضيل البقاء في التجمعات ، فلها أيضا أنظمة وقوانين ، فالحمار إن استخدم كرمز فهو لتقريب فكرة العودة للأطفال من جهة و إحقاق فكرة أن الأرض للجميع والتمتع بها حق الجميع.
-تعمد المخرج الابتعاد عن المباشرة في القضية الفلسطينية فلم يجعل محور القصة الطفل الفلسطيني اللاجئ بل الحمار اللاجئ، كما لم يغرق الفيلم بالسياسة أو التركيز على ممارسات الاحتلال من أعمال قتل وتدمير واعتقالات بل تطرق لها من منظور حواجز الذل والجدار كمعيق أساسي للحركة وكانتهاك لإنسانية البشر وحقهم في الحياة الكريمة، وقد بدا ذلك واضحا عبر مشهد الجنود عند الحاجز وتلذذهم بإذلال العابرين لمجرد أنهم فلسطينيون.
-أشار الفيلم بطريقة غير مباشرة إلى استيطان البيوت العربية ودفن ذكريات شعب قطن في تلك البيوت منذ مئات السنين، وبرز ذلك حين طرق الطفل الباب، وحين فُتحت البوابة إلى الماضي لم يفكر الحمار مرتين بل دخل مهرولا نحو البيت لان الهدف واحد وهو الاتحاد مع المكان واسترجاع الذكريات.
تبسيط الواقع لتجنب خدش براءة الطفولة
قد أجزم بأن الفيلم ليس الأروع أو الأعمق، ومن منظور شعب فلسطيني اعتاد يومياً مشاهد القسوة وعايش الحرمان فالفيلم لم يلامس همومه بعمق، لكنه فيلم للأطفال يخاطب الفئة العمرية الصغيرة ، الجيل الذي ربما لم يدرك بعد ماذا تعني العودة للفلسطينيين، وماذا يعني المفتاح أو ورقة الطابو لكنه سيعي بعد مشاهدته للفيلم بأن هناك خطباً ما! هناك شعور بالحرمان الممزوج بالحنين جسده حيوان شاركه طفل صغير حلمه فوصلا سوياً البيت، هناك حيث يعي الطفل وطنه الصغير الأول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 9th, 2008 at 9 يوليو 2008 5:06 م
القصة .. اكثر من رائعة ..
انا لم اشاهد الفيلم ولكن تبدوا الحبكة جيدة ..
كما انك قد قدمت تحليلا مشهديا نقلني عبر احداث الفيلم …
تحياتي اليك